فصل: تفسير الآيات رقم (40- 52)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة المؤمنون

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 7‏]‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏1‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ‏(‏4‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ‏(‏5‏)‏ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ‏(‏6‏)‏ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏قد أفلح المؤمنون‏}‏ سعد المصدِّقون، ونالوا البقاء في الجنَّة‏.‏

‏{‏الذين هم في صلاتهم خاشعون‏}‏ ساكنون لا يرفعون ابصارهم عن مواضع سجودهم‏.‏

‏{‏والذين هم عن اللغو معرضون‏}‏ عن كلِّ ما لا يجمل في الشَّرع من قولٍ وفعلٍ‏.‏

‏{‏والذين هم للزكاة فاعلون‏}‏ للصَّدقة الواجبة مُؤَدُّون‏.‏

‏{‏والذين هم لفروجهم حافظون‏}‏ يحفظونها عن المعاصي‏.‏

‏{‏إلاَّ على أزواجهم‏}‏ من زوجاتهم ‏{‏أو ما ملكت أيمانهم‏}‏ من الإماء ‏{‏فإنهم غير ملومين‏}‏ لا يلامون في وطئهنَّ‏.‏

‏{‏فمن ابتغى‏}‏ طلب ما ‏{‏وراء ذلك‏}‏ بما بعد الزَّوجة والأَمَة ‏{‏فأولئك هم العادون‏}‏ المتعدُّون عن الحلال إلى الحرام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 14‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ‏(‏8‏)‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ‏(‏9‏)‏ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏11‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏والذين هم لأماناتهم‏}‏ ما ائتمنوا عليه من أمر الدِّين والدُّنيا ‏{‏وعهدهم راعون‏}‏ وحلفهم الذي يُوجد عليهم راعون، يرعون ذلك ويقومون بإتمامه‏.‏

‏{‏والذين هم على صلواتهم يحافظون‏}‏ بإدائها في مواقيتها‏.‏

‏{‏أولئك هم الوارثون‏}‏ ثمَّ ذكر ما يرثون فقال‏:‏

‏{‏الذين يرثون الفردوس‏}‏ وذلك أنَّ الله تعالى جعل لكلِّ امرئ بيتاً في الجنَّة، فمَنْ عمل عمل أهل الجنَّة ورث بيته في الجنَّة، والفردوس خير الجنان‏.‏

‏{‏ولقد خلقنا الإنسان‏}‏ ابن آدم ‏{‏من سلالة‏}‏ من ماءٍ سُلَّ واستُخرِجَ من ظهر آدم، وكان آدم عليه السَّلام خُلق من طينٍ‏.‏

‏{‏ثمَّ جعلناه‏}‏ جعلنا الإنسان ‏{‏نطفة‏}‏ في أوَّل بُدوِّ خلقه ‏{‏في قرار مكين‏}‏ يعني‏:‏ الرَّحم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ثم أنشأنا خلقاً آخر‏}‏ قيل‏:‏ يريد الذُّكورية والأُنوثيَّة‏.‏ وقيل‏:‏ يعني‏:‏ نفخ الرُّوح‏.‏ وقيل‏:‏ نبات الشَّعر والأسنان ‏{‏فتبارك الله‏}‏ استحقَّ التَّعظيم والثَّناء بدوام بقائه ‏{‏أحسن الخالقين‏}‏ المُصوِّرين والمُقدِّرين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق‏}‏ سبع سمواتٍ، كلٌّ سماءٍ طريقةٌ ‏{‏وما كنَّا عن الخلق غافلين‏}‏ عمَّن خلقنا من الخلق كلِّهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏وأنزلنا من السماء ماء بقدر‏}‏ بمقدارٍ معلومٍ عند الله تعالى ‏{‏فأسكناه‏}‏ أثبتناه ‏{‏في الأرض‏}‏ قيل‏:‏ هو النِّيل ودجلة، والفرات، وسيحان وجيحان‏.‏ وقيل‏:‏ هو جميع المياه في الأرض ‏{‏وإنا على ذهابٍ به لقادرون‏}‏ حتى تهلكوا أنتم ومواشيكم عطشاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏وشجرة تخرج‏}‏ يعني‏:‏ الزَّيتون ‏{‏من طور سيناء‏}‏ يعني‏:‏ جبلاً معروفاُ، أوَّل ما ينبت الزَّيتون ينبت هناك ‏{‏تنبت بالدهن‏}‏ لأنَّه يتَّخذ الدُّهن من الزَّيتون ‏{‏وصبغ‏}‏ إدامٍ ‏{‏للآكلين‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 26‏]‏

‏{‏فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ ‏(‏24‏)‏ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ‏(‏25‏)‏ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏يريد أن يتفضل عليكم‏}‏ يتشَّرف عليكم، فيكون أفضل منكم بأن يكون متبوعاً، وتكونوا له تبعاً ‏{‏ولو شاء الله لأنزل ملائكة‏}‏ تُبلِّغنا عنه ‏{‏ما سمعنا بهذا‏}‏ الذي يدعوا إليه نوحٌ ‏{‏في آبائنا الأولين‏}‏‏.‏

‏{‏إن هو‏}‏ ما هو ‏{‏إلاَّ رجلٌ به جنة‏}‏ جنونٌ ‏{‏فتربصوا به حتى حين‏}‏ انتظروا موته حتى يموت‏.‏

‏{‏قال رب انصرني‏}‏ بإهلاكهم ‏{‏بما كذَّبون‏}‏ بتكذيبهم إيّاي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 33‏]‏

‏{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ‏(‏27‏)‏ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏28‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ‏(‏29‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ‏(‏30‏)‏ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ‏(‏31‏)‏ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏32‏)‏ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏فأوحينا إليه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ مُفسَّرة في سورة هود‏.‏ ‏{‏فاسلك فيها‏}‏ أَيْ‏:‏ اُدخل في السَّفينة، والباقي مفسَّر في سورة هود‏.‏

‏{‏فإذا استويت‏}‏ اعتدلت في السَّفينة راكباً‏.‏ الآية‏.‏

‏{‏وقل رب أنزلني‏}‏ منها ‏{‏منزلاً‏}‏ إنزالاً ‏{‏مباركاً‏}‏ فاستجاب الله تعالى دعاءَه حيث قال‏:‏ ‏{‏اهبط بسلام منا وبركات عليك‏}‏ وبارك فيهم بعد إنزالهم من السَّفينة، حتى كان جميع الخلق من نسل نوحٍ ‏[‏ومَنْ كان معه في السَّفينة‏]‏‏.‏

‏{‏إنَّ في ذلك‏}‏ الذي ذكرت ‏{‏لآيات‏}‏ لدلالاتٍ على قدرتنا ‏{‏وإن كنا لمبتلين‏}‏ مُختبرين طاعتهم بإرسال نوحٍ إليهم‏.‏

‏{‏ثم أنشأنا من بعدهم‏}‏ أحدثنا ‏{‏قرناً آخرين‏}‏ يعني‏:‏ عاداً‏.‏

‏{‏فأرسلنا فيهم رسولاً منهم‏}‏ وهو هود‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وأترفناهم‏}‏ أَيْ‏:‏ نعَّمناهم ووسَّعنا عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 37‏]‏

‏{‏أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ‏(‏35‏)‏ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ‏(‏36‏)‏ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏أنكم مخرجون‏}‏ أَيْ‏:‏ من قبوركم أحياء‏.‏

‏{‏هيهات هيهات‏}‏ بُعْداً ‏{‏لما توعدون‏}‏ من البعث‏.‏

‏{‏إن هي‏}‏ ما هي ‏{‏إلاَّ حياتنا الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ الحياة الدَّانية في هذه الدَّار ‏{‏نموت ونحيا‏}‏ يموت الآباء، ويحيا الأولاد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 41‏]‏

‏{‏قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ‏(‏39‏)‏ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ ‏(‏40‏)‏ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏قال رب انصرني‏}‏ عليهم ‏{‏بما كذبون‏}‏ بتكذيبهم إيَّاي‏.‏

‏{‏قال عمَّا قليل‏}‏ عن قريبٍ ‏{‏ليصبحنَّ نادمين‏}‏ يندمون إذا نزل بهم العذاب على التَّكذيب‏.‏

‏{‏فأخذتهم الصيحة‏}‏ صيحة العذاب ‏{‏بالحق‏}‏ بالأمر من الله تعالى ‏{‏فجعلناهم غثاء‏}‏ هلكى هامدين كغثاء السَّيل، وهو ما يحمله من بالي الشَّجر ‏{‏فبعداً‏}‏ فهلاكاً ‏{‏للقوم الظالمين‏}‏ المشركين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 46‏]‏

‏{‏مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ‏(‏43‏)‏ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏44‏)‏ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏45‏)‏ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏ما تسبق من أمة أجلها‏}‏ لا تموت قبل أجلها ‏{‏وما يستأخرون‏}‏ بعد الأجل طرفة عين‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏تترا‏}‏ أَيْ‏:‏ متتابعةً ‏{‏وجعلناهم أحاديث‏}‏ أَيْ‏:‏ لمَنْ بعدهم يتحدَّثون بهم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وكانوا قوماً عالين‏}‏ مستكبرين قاهرين غيرهم بالظُّلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏وقومهما لنا عابدون‏}‏ أَيْ‏:‏ مُطيعون مُتذلِّلون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 53‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏49‏)‏ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ‏(‏50‏)‏ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ‏(‏51‏)‏ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ‏(‏52‏)‏ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ‏(‏53‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون‏}‏ لكي يهتدي به قومه‏.‏

‏{‏وجعلنا ابن مريم وأُمَّه آية‏}‏ دلالةً على قدرتنا ‏{‏وآويناهما إلى ربوة‏}‏ يعني‏:‏ بيت المقدس، وهو أقرب الأرض إلى السَّماء ‏{‏ذات قرار‏}‏ أرضٍ مستويةٍ، وساحةٍ واسعةٍ ‏{‏ومعين‏}‏ ماءٍ ظاهرٍ‏.‏ وقيل‏:‏ هي دمشق‏.‏

‏{‏يا أيها الرسل كلوا من الطيبات‏}‏ هذا خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد به أنَّ الله تبارك وتعالى كأنه أخبر أنَّه قد قال لجميع الرُّسل قبله هذا القول، وأمرهم بهذا، والمعنى‏:‏ كلوا من الحلال‏.‏

‏{‏وإنَّ هذه أمتكم أمة واحدة‏}‏ أَيْ‏:‏ ملَّتكم أيُّها الرُّسل ملَّةٌ واحدةٌ، وهي الإِسلام ‏{‏وأنا ربكم‏}‏ شرعتها لكم ‏[‏وبيَّنتها لكم‏]‏ ‏{‏فاتقون‏}‏ فخافون‏.‏

‏{‏فتقطعوا أمرهم بينهم‏}‏ يعني‏:‏ المشركين واليهود والنَّصارى ‏{‏زبراً‏}‏ فرقاً ‏{‏كلُّ حزب‏}‏ جماعةٍ ‏{‏بما لديهم‏}‏ بما عندهم من الدِّين ‏{‏فرحون‏}‏ مُعجبون مسرورون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏54- 57‏]‏

‏{‏فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏54‏)‏ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ‏(‏55‏)‏ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏56‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏فذرهم في غمرتهم‏}‏ حيرتهم وضلالتهم ‏{‏حتى حين‏}‏ ‏[‏يريد‏:‏ حتى حينِ‏]‏ الهلاكِ بالسَّيف أو الموت‏.‏

‏{‏أيحسبون أنما نمدُّهم به‏}‏ ما نبسط عليهم ‏{‏من مال وبنين‏}‏ من المال والأولاد في هذه الدُّنيا‏.‏

‏{‏نسارع لهم في الخيرات‏}‏ نُعطيهم ذلك ثواباً لهم ‏{‏بل لا يشعرون‏}‏ أنَّ ذلك استدراجٌ، ثمَّ رجع إلى ذكر أوليائه فقال‏:‏

‏{‏إنَّ الذين هم من خشية ربهم مشفقون‏}‏ خائفون عذابه ومكره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 62‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ‏(‏60‏)‏ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ‏(‏61‏)‏ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏والذين يؤتون ما آتوا‏}‏ يُعطون ما يُعطون ‏{‏وقلوبهم وجلة‏}‏ خائفةٌ أنَّ ذلك لا يُقبل منهم، وقد أيقنوا أنَّهم إلى ربِّهم صائرون بالموت‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وهم لها سابقون‏}‏ أَيْ‏:‏ إليها، ثمَّ ذكر أنَّه لم يُكلِّف العبد إلاَّ ما يسعه، فقال‏:‏

‏{‏ولا نكلف نفساً إلاَّ وسعها‏}‏ فمَنْ لم يستطع أن يصلي قائماً فليصلِّ جالساً ‏{‏ولدينا كتاب‏}‏ يعني‏:‏ اللَّوح المحفوظ ‏{‏ينطق بالحق‏}‏ يُبيِّن بالصِّدق ‏{‏وهم لا يظلمون‏}‏ لا يُنقصون من ثواب أعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 70‏]‏

‏{‏بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ‏(‏63‏)‏ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ‏(‏64‏)‏ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ‏(‏65‏)‏ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ‏(‏66‏)‏ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ ‏(‏67‏)‏ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏68‏)‏ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ‏(‏69‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

ثمَّ عاد إلى ذكر المشركين فقال‏:‏ ‏{‏بل قلوبهم في غمرة‏}‏ في جهالةٍ وغفلةٍ ‏{‏من هذا‏}‏ الكتاب الذي ينطق بالحقِّ ‏{‏ولهم أعمال من دون ذلك‏}‏ وللمشركين أعمالٌ خبيثةٌ دون أعمال المؤمنين الذين ذكرهم ‏{‏هم لها عاملون‏}‏‏.‏

‏{‏حتى إذا أخذنا مترفيهم‏}‏ رؤساءَهم وأغنياءَهم ‏{‏بالعذاب‏}‏ بالقحط والجوع سبع سنين ‏{‏إذا هم يجأرون‏}‏ يضجُّون ويجزعون، ونقول لهم‏:‏

‏{‏لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون‏}‏ لا تُمنعون، ولا ينفعكم جزعكم‏.‏

‏{‏قد كانت آياتي تتلى عليكم‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏فكنتم على أعقابكم‏}‏ على أدباركم ‏{‏تنكصون‏}‏ ترجعون القهقرى مُكذِّبين به‏.‏

‏{‏مستكبرين به‏}‏ أي‏:‏ بالحرم، تقولون‏:‏ لا يظهر علينا أحدٌ؛ لأنَّا أهل الحرم ‏{‏سامراً‏}‏ سُمَّاراً باللَّيل ‏{‏تُهْجِرُون‏}‏ تهذون وتقولون الهُجر من سبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏أفلم يدبروا القول‏}‏ يتدبَّروا القرآن، فيقفوا على صدقك ‏{‏أم جاءهم‏}‏ بل أَجاءهم ‏{‏ما لم يأت آباءهم الأولين‏}‏ يريد‏:‏ إنَّ إنزال الكتاب قد كان قبل هذا، فليس إنزال الكتاب عليك ببديعٍ ينكرونه‏.‏

‏{‏أم لم يعرفوا رسولهم‏}‏ الذي نشأ فيما بينهم وعرفوه بالصِّدق‏.‏

‏{‏أم يقولون‏}‏ بل أيقولون ‏{‏به جنة‏}‏ جنونٌ ‏{‏بل جاءهم‏}‏ ليس الأمر كما يقولون، بل جاءهم الرَّسول ‏{‏بالحق‏}‏ بالقرآن من عند الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 72‏]‏

‏{‏وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏71‏)‏ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏72‏)‏‏}‏

‏{‏ولو اتبع الحق‏}‏ القرآن الذي يدعو إلى المحاسن ‏{‏أهواءَهم‏}‏ التي تدعو إلى المقابح، أي‏:‏ لو كان التَّنزيل بما يُحبُّون ‏{‏لفسدت السموات والأرض‏}‏ وذلك أنَّها خُلقت دلالةً على توحيد الله، فلو كان القرآن على مرادهم كان يدعو إلى الشِّرك، وذلك يُؤدِّي إلى إفساد أدلة التَّوحيد، وقوله‏:‏ ‏{‏ومَنْ فيهنَّ‏}‏ لأنَّهم حينئذٍ يُشركون بالله تعالى ‏{‏بل أتيناهم بذكرهم‏}‏ بشرفهم في الدُّنيا والآخرة‏.‏

‏{‏أم تسألهم‏}‏ أنت يا محمَّد على ما جئت به ‏{‏خرجاً‏}‏ جُعلاً وأجراً ‏{‏فخراجُ ربك‏}‏ فعطاء ربِّك وثوابه ‏{‏خير‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 77‏]‏

‏{‏وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ‏(‏74‏)‏ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏75‏)‏ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ‏(‏76‏)‏ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ‏(‏77‏)‏‏}‏

‏{‏لناكبون‏}‏ أَيْ‏:‏ عادلون مائلون‏.‏

‏{‏ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضرّ‏}‏ جدبٍ وقحطٍ ‏{‏للجوا‏}‏ لتمادوا ‏{‏في طغيانهم يعمهون‏}‏ نزلت هذه الآية حين شكوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ قتلْتَ الآباء بالسَّيف، والأبناء بالجوع‏.‏

‏{‏ولقد أخذناهم بالعذاب‏}‏ بالجوع ‏{‏فما استكانوا لربهم‏}‏ ما تواضعوا‏.‏

‏{‏حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد‏}‏ يوم بدرٍ‏.‏ وقيل‏:‏ عذاب الآخرة ‏{‏إذا هم فيه مبلسون‏}‏ آيسون من كلِّ خيرٍ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

‏{‏وله اختلاف الليل والنهار‏}‏ أَي‏:‏ هو الذي جعلهما مختلفين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 91‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏88‏)‏ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ‏(‏89‏)‏ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏90‏)‏ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏91‏)‏‏}‏

‏{‏ملكوت كل شيء‏}‏ أَيْ‏:‏ ملكه‏.‏ يعني‏:‏ مَنْ يملك كلَّ شيء‏؟‏ ‏{‏وهو يجير‏}‏ يُؤمن من يشاء ‏{‏ولا يجار عليه‏}‏ لا يُؤمَنُ مَنْ أخافه‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏فأنى تسحرون‏}‏ تُخدعون وتُصرفون عن توحيده وطاعته‏.‏

‏{‏بل أتيناهم بالحق‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏وإنهم لكاذبون‏}‏ أنَّ الملائكة بنات الله‏.‏

‏{‏ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق‏}‏ ينفرد بمخلوقاته فيمنع الإله الآخر عن الاستيلاء عليها ‏{‏ولعلا بعضهم على بعض‏}‏ بالقهر والمزاحمة كالعادة بين الملوك ‏{‏سبحان الله‏}‏ تنزيهاً له ‏{‏عما يصفون‏}‏ من الكذب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 94‏]‏

‏{‏قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ‏(‏93‏)‏ رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏94‏)‏‏}‏

‏{‏قل رب إما تريني ما يوعدون‏}‏ ما يُوعَدُ المشركون من العذاب‏.‏

‏{‏فلا تجعلني‏}‏ معهم أَيْ‏:‏ إنْ أنزلت بهم النِّقمة فاجعلني خارجاً منهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 101‏]‏

‏{‏ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ‏(‏96‏)‏ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ‏(‏97‏)‏ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ‏(‏98‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ‏(‏99‏)‏ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏100‏)‏ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏101‏)‏‏}‏

‏{‏ادفع بالتي هي أحسن‏}‏ من الحلم والصَّفح ‏{‏السيئة‏}‏ التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه ‏{‏نحن أعلم بما يصفون‏}‏ فنجازيهم به، وهذا كان قبل الأمر بالقتال‏.‏

‏{‏وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين‏}‏ نزغاتها ووساوسها‏.‏

‏{‏وأعوذ بك رب أن يحضرون‏}‏ في شيءٍ من أموري‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏رب ارجعون‏}‏ أي‏:‏ ارددني إلى الدُّنيا‏.‏

‏{‏لعلي أعمل صالحاً‏}‏ أَيْ‏:‏ أشهد بالتَّوحيد ‏{‏فيما تركت‏}‏ حين كنت في الدُّنيا ‏{‏كلا‏}‏ لا يرجع إلى الدُّنيا ‏{‏إنها كلمة هو قائلها‏}‏ عند الموت، ولا يُجاب إلى ذلك، ‏{‏ومن ورائهم‏}‏ أمامهم ‏{‏برزخ‏}‏ حاجزٌ بينهم وبين الرُّجوع إلى الدُّنيا‏.‏

‏{‏فإذا نفخ في الصور‏}‏ النَّفخة الأخيرة ‏{‏فلا أنساب بينهم يومئذ‏}‏ لا يفتخرون بالأنساب ‏{‏ولا يتساءلون‏}‏ كما يتساءلون في الدُّنيا من أيِّ قبيلةٍ ونَسبٍ أنت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 106‏]‏

‏{‏تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ‏(‏104‏)‏ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ‏(‏105‏)‏ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏تلفح‏}‏ تحرق‏.‏ ‏{‏وهم فيها كالحون‏}‏ عابسون لتقلُّص شفاههم بالانشواء، فيقال لهم‏:‏

‏{‏ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون‏}‏‏.‏

‏{‏قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا‏}‏ التي قضيتَ علينا ‏{‏وكنا قوماً ضالين‏}‏ أقرُّوا على أنفسهم بالضَّلال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏108‏]‏

‏{‏قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ‏(‏108‏)‏‏}‏

‏{‏اخسؤوا‏}‏ أي‏:‏ تباعدوا تباعد سخطٍ عليكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏110- 118‏]‏

‏{‏فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ‏(‏110‏)‏ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ‏(‏111‏)‏ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ‏(‏112‏)‏ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ‏(‏113‏)‏ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏114‏)‏ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ‏(‏115‏)‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ‏(‏116‏)‏ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ‏(‏117‏)‏ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ‏(‏118‏)‏‏}‏

‏{‏فاتخذتموهم سخرياً‏}‏ أَيْ‏:‏ سخرتم منهم، واستهزأتم ‏{‏حتى أنسوكم ذكري‏}‏ لاشتغالكم بالاستهزاء منهم‏.‏

‏{‏إني جزيتهم اليوم‏}‏ قابلتُ عملهم بما يستحقُّون من الثَّواب ‏{‏بما صبروا‏}‏ على أذاكم ‏{‏أنهم هم الفائزون‏}‏ النَّاجون من العذاب والنَّار‏.‏

‏{‏قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين‏}‏ قال الله تعالى لمنكري البعث إذا بعثهم من قبورهم‏:‏ كم لبثتم في قبوركم‏؟‏ وهذا سؤال توبيخٍ لهم؛ لأنَّهم كانوا يُنكرون أن يُبعثوا من قبورهم‏.‏

‏{‏قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم‏}‏ وذلك أنَّ العذاب رُفع عنهم فيما بين النَّفختين، ونسوا ما كانوا من العذاب، فاستقصروا مدَّة لبثهم، فلذلك قالوا‏:‏ ‏{‏لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين‏}‏ أي‏:‏ فاسأل الملائكة الذين يحفظون عدد ما لبثنا‏.‏

‏{‏قال إن لبثتم‏}‏ ما لبثتم ‏{‏إلاَّ قليلاً‏}‏ وإن طال لبثكم؛ في طول لبثكم في النَّار ‏{‏لو أنكم كنتم تعلمون‏}‏ مقدار لبثكم في القبر، وذلك أنَّهم لم يعلموا ذلك حيث قالوا‏:‏ ‏{‏لبثنا يوماً أو بعض يوم‏}‏ فقيل لهم‏:‏ لو كنتم تعلمون ذلك كان قليلاً عند طول لبثكم في النَّار‏.‏

‏{‏أفحسبتم أنَّما خلقناكم عبثاً‏}‏ أَيْ‏:‏ للعبث لا لحكمة من ثوابٍ للمطيع، وعقابٍ للعاصي‏.‏ وقيل‏:‏ عبثاً للعبث، حتى تعبثوا وتغفلوا وتلهوا‏.‏

‏{‏رب العرش الكريم‏}‏ أي‏:‏ السَّرير الحسن‏.‏

‏{‏ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به‏}‏ لا حجَّة له بما يفعل من عبادته غير الله ‏{‏فإنما حسابه عند ربه‏}‏ جزاؤه عند الله تعالى، فهو يجازيه بما يستحقُّه ‏{‏إنه لا يفلح الكافرون‏}‏ لا يسعد المُكذِّبون، ثمَّ أمره رسوله أن يستغفر للمؤمنين، ويسأل لهم الرَّحمة فقال‏:‏

‏{‏وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين‏}‏‏.‏

سورة النور

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏1‏)‏ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏2‏)‏ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏سورة أنزلناها‏}‏ أَيْ‏:‏ هذه سُورةٌ أنزلناها ‏{‏وفرضناها‏}‏ ألزمنا العمل بما فُرض فيها‏.‏

‏{‏الزانية والزاني‏}‏ إذا كانا حُرَّين بالغين غير محصنين ‏{‏فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة‏}‏ رقَّةٌ ورحمةٌ فَتُعطِّلوا الحدود، وتخفِّفوا الضَّرب حتَّى لا يُؤلم، وقوله‏:‏ ‏{‏في دين الله‏}‏ أَيْ‏:‏ في حكم الله‏.‏ ‏{‏وليشهد‏}‏ وليحضر ‏{‏عذابهما‏}‏ جلدهما ‏{‏طائفة‏}‏ نفرٌ ‏{‏من المؤمنين‏}‏‏.‏

‏{‏الزاني لا ينكح إلاَّ زانية‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت في قومٍ من فقراء المهاجرين همُّوا أن يتزوَّجوا بغايا كنَّ بالمدينة لِعَيْلَتِهم، فأنزل الله تعالى تحريم ذلك؛ لأنهنَّ كنَّ زانياتٍ مشركاتٍ، وبيَّن أنَّه لا يتزوَّج بهنَّ إلاَّ زانٍ أو مشركٌ، وأنَّ ذلك حرامٌ على المؤمنين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 8‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏4‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏6‏)‏ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏7‏)‏ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏والذين يرمون‏}‏ بالزِّنا ‏{‏المحصنات‏}‏ الحرائر العفائف ‏{‏ثمَّ لم يأتوا‏}‏ على ما رموهنَّ به ‏{‏بأربعة شهداء‏}‏ أَيْ‏:‏ يشهدون عليهنَّ بذلك ‏{‏فاجلدوهم‏}‏ أَي‏:‏ الرَّامين ‏{‏ثمانين جلدة‏}‏ يعني‏:‏ كلَّ واحدٍ منهم ‏{‏ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً‏}‏ لا تُقبل شهادتهم إذا شهدوا؛ لأنَّهم فسقوا برمي المحصنات إلاَّ أن يرجعوا ويُكذِّبوا أنفسهم ويتركوا القذف، فحينئذٍ تُقبل شهادتهم لقوله تعالى‏:‏

‏{‏إلاَّ الذين تابوا من بعد ذلك‏}‏‏.‏

‏{‏والذين يرمون أزواجهم‏}‏ يقذفونهنَّ بالزِّنا ‏{‏ولم يكن لهم شهداء إلاَّ أنفسهم‏}‏ يشهدون على صحَّة ما قالوا ‏[‏إلاَّ هم‏]‏ ‏{‏فشهادة أحدهم أربع شَهاداتٍ بالله‏}‏ أربع مرات أنَّه صادقٌ فيما قذفها به، يُسقط عنه الحدَّ، ثم يقول في الخامسة‏:‏ لعنةُ الله عليه إنْ كان من الكاذبين، فإذا فعل الزَّوج هذا وجب الحدُّ على المرأة، ويسقط ذلك عنها بأن تقول‏:‏ أشهد بالله إنَّه لمن الكاذبين فيما قذفني به، أربع مرات، وذلك قوله تعالى‏:‏

‏{‏ويدرأ عنها العذاب‏}‏ أَيْ‏:‏ يدفع عنها عقوبة الحدِّ، والخامسة تقول‏:‏ عليَّ غضب الله إنْ كان من الصَّادقين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 12‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏11‏)‏ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته‏}‏ جواب ‏"‏ لولا ‏"‏ محذوفٌ، على تقدير‏:‏ لفضحكم بارتكاب الفاحشة، ولعاجلكم بالعقوبة، ولكنَّه ‏{‏توابٌ‏}‏ يقبل التَّوبة، ويرحم مَنْ رجع عن السَّيئة ‏[‏‏{‏حكيم‏}‏ فيما فرض من الحدود‏]‏‏.‏

‏{‏إنَّ الذين جاؤوا بالإِفك‏}‏ بالكذب على عائشة رضوان الله عليها وصفوان ‏{‏عصبة‏}‏ جماعة ‏{‏منكم‏}‏ يعني‏:‏ حسَّان بن ثابت، ومسطحاً، وعبد الله ابن أُبيّ المنافق، وحمنة بنت جحش ‏{‏لا تحسبوه‏}‏ لا تحسبوا ذلك الإفك ‏{‏شرّاً لكم بل هو خيرٌ لكم‏}‏ لأنَّ الله تعالى يأجركم على ذلك، ويُظهر براءتكم ‏{‏لكلِّ امرئ منهم ما اكتسب من الإِثم‏}‏ جزاء ما اجترح من الذَّنب ‏{‏والذي تولَّى كبره‏}‏ تحمَّل معظمه فبدأ بالخوض فيه، وهو عبد الله ابن أُبيّ‏.‏

‏{‏لولا‏}‏ هلاَّ ‏{‏إذ سمعتموه‏}‏ يعني‏:‏ الإِفك ‏{‏ظنَّ المؤمنون والمؤمنات‏}‏ رجع من الخطاب إلى الخبر، والمعنى‏:‏ ظننتم أيُّها المؤمنون بالذين هم كأنفسهم ‏{‏خيراً‏}‏ والمؤمنون كلُّهم كالنَّفس الواحدة، وقلتم‏:‏ ‏{‏هذا إفك مبين‏}‏ كذبٌ ظاهرٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 17‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏14‏)‏ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ‏(‏15‏)‏ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ‏(‏16‏)‏ يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسّكم‏}‏ لأصابكم ‏{‏فيما أفضتم‏}‏ خضتم ‏{‏فيه‏}‏ من الإفك ‏{‏عذاب عظيم‏}‏‏.‏

‏{‏إذ تلقونه بألسنتكم‏}‏ تأخذونه ويرويه بعضكم عن بعض ‏{‏وتحسبونه هيناً‏}‏ وتظنُّونه سهلاً، وهو كبيرٌ عند الله سبحانه‏.‏

‏{‏ولولا‏}‏ هلاَّ ‏{‏إذ سمعتموه‏}‏ سمعتم هذا الكذب ‏{‏قلتم ما يكون لنا أن نتكلَّم بهذا سبحانك‏}‏ تعجُّباً من هذا الكذب ‏{‏هذا بهتان‏}‏ كذبٌ نتحيَّر من عظمه، والمعنى‏:‏ هلا أنكرتموه وصنتم ألسنتكم عن الخوض فيه‏؟‏‏.‏

‏{‏يعظكم الله أن تعودوا‏}‏ كراهة أن تعودوا لمثل هذا الإِفك أبداً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 30‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏19‏)‏ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏20‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏21‏)‏ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏22‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏23‏)‏ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏24‏)‏ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ‏(‏25‏)‏ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏26‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏27‏)‏ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ‏(‏28‏)‏ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ‏(‏29‏)‏ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏إنَّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة‏}‏ يفشوَ الزِّنا ‏{‏في الذين آمنوا لهم عذاب أليمٌ‏}‏ وهم المنافقون كانوا يشيعون هذا الكذب، ويطلبون العيب للمؤمنين، وأن يكثر فيهم الزِّنا‏.‏

‏{‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته‏}‏ لعجَّل لكم الذي تستحقُّونه من العقوبة‏.‏

‏{‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى‏}‏ ما صلح وطهر من هذا الذَّنب أحد ‏{‏منكم‏}‏ يعني‏:‏ من الذين خاضوا فيه ‏{‏ولكنَّ الله يزكي مَنْ يشاء‏}‏ يُطهِّر مَنْ يشاء من الإِثم والذَّنب بالرَّحمة والمغفرة‏.‏

‏{‏ولا يأتل‏}‏ ولا يحلف ‏{‏أولو الفضل منكم والسعة‏}‏ يعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه ‏{‏أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله‏}‏ يعني‏:‏ مسطحاً، وكان مسكيناً مهاجراً وكان ابن خالة أبي بكر، وكان قد حلف أن لا ينفق عليه ولا يُؤتيه شيئاً‏.‏ ‏{‏وليعفوا وليصفحوا‏}‏ عنهم لخوضهم في حديث عائشة ‏{‏ألا تحبون أن يغفر الله لكم‏}‏ فلمَّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق‏:‏ بلى، أنا أحبُّ أن يغفر الله لي، ورَجَع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه‏.‏

‏{‏إنَّ الذين يرمون المحصنات الغافلات‏}‏ عن الفواحش، كغفلة عائشة رضي الله عنها عمَّا قذفت به ‏{‏لعنوا‏}‏ عُذِّبوا ‏{‏في الدنيا‏}‏ بالجلد ‏{‏و‏}‏ في ‏{‏الآخرة‏}‏ بالنَّار‏.‏

‏{‏يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون‏}‏ وقوله‏:‏

‏{‏يوفيهم الله دينهم الحق‏}‏ أي‏:‏ جزاءهم الواجب ‏{‏ويعلمون أنَّ الله هو الحق المبين‏}‏ لأنَّه قد بيَّن لهم حقيقة ما كان يعدهم به في الدُّنيا‏.‏

‏{‏الخبيثات‏}‏ من القول‏.‏ وقيل‏:‏ من النِّساء ‏{‏للخبيثين‏}‏ من الرِّجال ‏{‏والخبيثون‏}‏ من النَّاس ‏{‏للخبيثات‏}‏ من القول‏.‏ وقيل‏:‏ من النِّساء ‏{‏والطيبات‏}‏ من القول‏.‏

وقيل‏:‏ من النِّساء ‏{‏للطيبين‏}‏ من النَّاس ‏{‏والطيبون‏}‏ من النَّاس ‏{‏للطيبات‏}‏ من القول‏.‏ وقيل‏:‏ من النَّاس‏.‏ ‏{‏أولئك‏}‏ يعني‏:‏ عائشة وصفوان ‏{‏مبرَّؤون مما يقولون‏}‏ يقوله أهل الخبث والقاذفون‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا‏}‏ تستأذنوا ‏{‏وتسلموا على أهلها‏}‏ وهو أن يقول‏:‏ السَّلام عليكم، أَأَدخلُ‏؟‏

‏{‏فإن لم تجدوا فيها‏}‏ في البيوت ‏{‏أحداً‏}‏ يأذن لكم في دخولها ‏{‏فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا‏}‏ انصرفوا ‏{‏فارجعوا‏}‏ ولا تقفوا على أبوابهم ‏{‏هو‏}‏ أي‏:‏ الرُّجوع ‏{‏أزكى لكم‏}‏ أطهر لكم وأصلح، فلمَّا نزلت هذه الآية قيل‏:‏ يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في الطَّريق ليس فيها ساكن‏؟‏ فأنزل الله سبحانه‏:‏

‏{‏ليس علكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة‏}‏ بغير استئذانٍ ‏{‏فيها متاع‏}‏ منفعةٌ ‏{‏لكم‏}‏ في قضاء حاجةٍ، أو نزولٍ وغيره‏.‏

‏{‏قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم‏}‏ يكفُّوها عن النَّظر إلى ما لا يحلُّ ‏{‏ويحفظوا فروجهم‏}‏ عن مَنْ لا يحلُّ‏.‏ وقيل‏:‏ يستروها حتى لا تظهر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏31‏]‏

‏{‏وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏ولا يبدين زينتهنَّ‏}‏ يعني‏:‏ الخلخالين، والقُرطين، والقلائد، والدَّماليج، ونحوها ممَّا يخفى ‏{‏إلاَّ ما ظهر منها‏}‏ وهو الثِّياب، والكحل، والخاتم والخضاب، والسِّوار، فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلاَّ وجهها ويديها إلى نصف الذِّراع ‏{‏وليضربن بخمرهنَّ‏}‏ وليلقين مقانعهنَّ ‏{‏على جيوبهنَّ‏}‏ ليسترن بذلك شعورهنَّ وقرطهنَّ وأعناقهنَّ ‏{‏ولا يبدين زينتهن‏}‏ يعني‏:‏ الزِّنية الخفيَّة لا الظَّاهرة ‏{‏إلاَّ لبعولتهن‏}‏ أزواجهنَّ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أو نسائهنَّ‏}‏ يعني‏:‏ النِّساء المؤمنات، فلا يحلُّ لامرأةٍ مسلمةٍ أن تتجرَّد بين يدي امرأةٍ مشركةٍ إلاَّ إذا كانت المشركة مملوكةً لها، وهو قوله‏:‏ ‏{‏أو ما ملكت أيمانهن أوالتابعين غير أولي الإربة من الرجال‏}‏ يعني‏:‏ الذين يتَّبعون النِّساء يخدمونهنَّ ليصيبوا شيئاً، ولا حاجة لهم فيهنَّ، كالخصيِّ والخنثى، والشَّيخ الهَرِم، والأحمق العنِّين ‏{‏أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء‏}‏ لم يقووا عليها ‏{‏ولا يضربن بأرجلهنَّ ليعلم ما يخفين من زينتهنَّ‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يضربن بإحدى الرِّجلين على الأخرى ليصيب الخلخالُ الخلخالَ فيعلم أنَّ عليها خلخالين، فإنَّ ذلك يحرِّك من الشَّهوة ‏{‏وتوبوا إلى الله جميعاً‏}‏ راجعوا طاعة الله سبحانه فيما أمركم ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السُّورة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏32- 39‏]‏

‏{‏وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏32‏)‏ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏33‏)‏ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏34‏)‏ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏35‏)‏ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ‏(‏36‏)‏ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ‏(‏37‏)‏ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏38‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏وأنكحوا الأيامى منكم‏}‏ الذين لا أزواج لهم من الرِّجال والنِّساء ‏{‏والصالحين من عبادكم‏}‏ عبيدكم ‏{‏وإمائكم‏}‏ جواريكم ‏{‏إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله‏}‏ هذا وعدٌ من الله تعالى بالغنى على النِّكاح، وإعلامٌ أنَّه سببٌ لنفي الفقر‏.‏

‏{‏وليستعفف‏}‏ وليعفَّ عن الحرام مَنْ لا يقدر على تزوُّج امرأةٍ، بأن لا يملك المهر والنًّفقة ‏{‏حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون‏}‏ يطلبون ‏{‏الكتاب‏}‏ المكاتبة ‏{‏مما ملكت أيمانكم‏}‏ من عبيدكم، وهو أن يطلب من مولاه أن يبيعه منه بمالٍ معلومٍ يُؤدِّيه إليه في مدَّةٍ معلومةٍ، فإذا أدَّى ذلك عتق ‏{‏فكاتبوهم‏}‏ فأعطوهم ما يطلبون من الكتابة ‏{‏إن علمتم فيهم خيراً‏}‏ اكتساباً للمال، يقدرون على أداء مال الكتابة ‏{‏وآتوهم من مال الله الذي آتاكم‏}‏ يعني‏:‏ حطُّوا عنهم من المال الذي كاتبتموهم عليه، ويستحبُّ ذلك للسيِّد، وهو أن يحطَّ عنه ربع المال‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بهذا أن يُؤتوا سهمهم من الزَّكاة ‏{‏ولا تكرهوا فتياتكم‏}‏ إماءكم ‏{‏على البغاء‏}‏ الزِّنا‏.‏ نزلت في عبد الله ابن أُبيِّ، وكانت له جوارٍ يكرههنَّ على الزِّنا، ويأخذ منهنَّ أجراً معلوماً ‏{‏إن أردن تحصناً‏}‏ قيل‏:‏ إنَّ هذا راجعٌ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وانكحوا الأيامى منكم والصَّالحين من عبادكم وإمائكم‏}‏ إن أردن تحصُّناً‏.‏ وقيل‏:‏ ‏"‏ إنْ ‏"‏ بمعنى‏:‏ ‏"‏ إذ ‏"‏، والمعنى‏:‏ لا تكرهوهنَّ على الزِّنا إذ أردن التًّعفُّف عنه ‏{‏لتبتغوا عرض الحياة الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ ما يؤخذ من أجورهنَّ ‏{‏ومن يكرههنَّ‏}‏ على الزِّنا ‏{‏فإنَّ الله من بعد إكراههنَّ‏}‏ لهنَّ ‏{‏غفور رحيم‏}‏ والوزر على المُكْرِه‏.‏

‏{‏ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏ومثلاً‏}‏ وخبراً وعبرةً ‏{‏من الذين خَلَوا‏}‏ مضوا ‏{‏من قبلكم‏}‏ يعني‏:‏ ما ذُكر من قصص القرون الماضية‏.‏

‏{‏الله نور السموات والأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ بنوره وهداه يَهتدي من في السموات والأرض، ثمَّ ضرب مثلاً لذلك النُّور الذي يقذفه في قلب المؤمن حتى يهتدي به فقال‏:‏ ‏{‏مثل نوره كمشكاة‏}‏ وهي الكوَّة غير النَّافذة، والمراد بها ها هنا الذي وسط القنديل كالكوَّة يُوضع فيها الذُّبالة، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فيها مصباح‏}‏ يعني‏:‏ السِّراج ‏{‏المصباح في زجاجة‏}‏ لأنَّ النُّور في الزُّجاج، وضوء النَّار أبين منه في كلِّ شيءٍ‏.‏ ‏{‏الزجاجة كأنها كوكب‏}‏ لبياضه وصفائه ‏{‏دريّ‏}‏ منسوبٌ إلى أنَّه كالدُّرِّ ‏{‏تُوقدُ‏}‏ أي‏:‏ الزُّجاجة، والمعنى للمصباح، ولكنه حذف المضاف، مَنْ قرأ بالياء أراد‏:‏ يُوقد المصباح ‏{‏من شجرة‏}‏ أَيْ‏:‏ من زيت شجرةٍ ‏{‏مباركة زيتونة لا شرقية‏}‏ ليست ممَّا يطلع عليها الشَّمس في وقت شروقها فقط ‏{‏ولا غربية‏}‏ أو عند الغروب، والمعنى‏:‏ ليس يسترها عن الشَّمس في وقتٍ من النَّهار شيءٌ، فهو أنضر لها، وأجود لزيتها ‏{‏يكاد زيتها يضيء‏}‏ لصفائه دون السِّراج، وهو قال عزَّ مِنْ قائلٍ‏:‏ ‏{‏يهدي الله لنوره مَنْ يشاء‏.‏

‏.‏‏.‏‏}‏ الآية

‏{‏في بيوت‏}‏ أَي‏:‏ المصباح يوقد في بيوتٍ، يعني‏:‏ المساجد ‏{‏أذن الله أن ترفع‏}‏ تبنى، وقوله تعالى‏:‏

‏{‏تتقلب فيه القلوب‏}‏ بين الطَّمع في النَّجاة، والحذر من الهلاك ‏{‏والأبصار‏}‏ تتقلَّب في أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم، أذات اليمين أم ذات الشِّمال‏؟‏ ومن أيِّ جهةٍ يُؤتون كُتبهم من جهة اليمين أم من جهة الشِّمال‏؟‏

‏{‏ليجزيهم الله أحسن‏}‏ بأحسن ‏{‏ما عملوا ويزيدهم من فضله‏}‏ ما لم يستحقُّوه بأعمالهم، ثمَّ ضرب مثلاً لأعمال الكافرين، فقال‏:‏

‏{‏والذين كفروا أعمالهم كسراب‏}‏ وهو ما يرى في الفلوات عند شدَّة الحرِّ، كأنَّه ماءٌ ‏{‏بقيعة‏}‏ جمع قاعٍ، وهو المنبسط من الأرض ‏{‏يحسبه الظمآن‏}‏ يظنُّه العطشان ‏{‏ماءً حتى إذا جاءه‏}‏ جاء موضعه ‏{‏لم يجده شيئاً‏}‏ كذلك الكافر يحسب أنَّ عمله مُغنٍ عنه أو نافعه شيئاً، فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد علمه أغنى عنه شيئاً ‏{‏ووجد الله عنده‏}‏ ووجد الله بالمرصاد عند ذلك ‏{‏فوفَّاه حسابه‏}‏ تحمَّل جزاء عمله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 41‏]‏

‏{‏أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ‏(‏40‏)‏ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏أو كظلمات‏}‏ وهذا مثلٌ آخرُ ضربه الله لأعمال الكافر ‏{‏في بحر لجيٍّ‏}‏ وهو البعيد القعر الكثير الماء ‏{‏يغشاه‏}‏ يعلوه ‏{‏موجٌ‏}‏ وهو ما ارتفع من الماء ‏{‏من فوقه موج‏}‏ متراكمٌ بعضه على بعض ‏{‏مِن‏}‏ فوق الموج ‏{‏سحاب‏}‏ وهذه كلُّها ‏{‏ظلمات بعضها فوق بعض‏}‏ ظلمة السَّحاب، وظلمة الموج، وظلمة البحر‏.‏ ‏{‏إذا أخرج‏}‏ النَّاظر ‏{‏يده‏}‏ بين هذه الظُّلمات ‏{‏لم يكد يراها‏}‏ لم يرها لشدَّة الظُّلمة، وأراد بالظُّلمات أعمال الكفار، وبالبحر اللُّجيِّ قلبه، وبالموج من فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشَّكِّ والحيرة، وبالسَّحاب الرِّين والختم على قلبه، ثمَّ قال‏:‏ ‏{‏ومَنْ لم يجعل الله له نوراً فما له من نور‏}‏ أَيْ‏:‏ مَنْ لم يهده الله للإِسلام لم يهتد‏.‏

‏{‏ألم تر أنَّ الله يسبح له‏}‏ يصلّي له ‏{‏من في السموات والأرض‏}‏ المطيع يُسبِّح له، والعاصي يذلُّ أيضاً بخلق الله تعالى إيَّاه على ما يشاء، على أنَّ الله بريءٌ من السُّوء ‏{‏والطير صافات‏}‏ أجنحتهنَّ في الهواء تسبِّح الله‏.‏ ‏{‏كلٌّ قد علم صلاته‏}‏ وهي لبني آدم ‏{‏وتسبيحه‏}‏ وهو عامٌّ لغيرهم من الخلق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 45‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ‏(‏43‏)‏ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ‏(‏44‏)‏ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏ألم تر أنَّ الله يزجي‏}‏ يسوق ‏{‏سحاباً‏}‏ إلى حيث يريد ‏{‏ثمَّ يؤلف بينه‏}‏ يجمع بين قطع ذلك السَّحاب ‏{‏ثم يجعله ركاماً‏}‏ بعضه فوق بعض ‏{‏فترى الودق‏}‏ المطر ‏{‏يخرج من خلاله‏}‏ فُرَجِه ‏{‏وينزل من السماء من جبالٍ‏}‏ في السَّماء ‏{‏من بَردٍ فيصيب‏}‏ بذلك البرد ‏{‏مَنْ يشاء ويصرفه عَنْ مَنْ يشاء يكاد سنا برقه‏}‏ ضوء برق السَّحاب ‏{‏يذهب بالأبصار‏}‏ من شدَّة توقُّده‏.‏

‏{‏يقلب الله الليل والنهار‏}‏ يُصرِّفهما في اختلافهما وتعاقبهما ‏{‏إنَّ في ذلك‏}‏ الذي ذكرت من هذه الأشياء ‏{‏لعبرة لأولي الأبصار‏}‏ لذوي العقول‏.‏

‏{‏والله خلق كلَّ دابة من ماء‏}‏ أَيْ‏:‏ من نطفةٍ ‏{‏فمنهم من يمشي على بطنه‏}‏ كالحيًّات والحيتان ‏{‏ومنهم من يمشي على رجلين‏}‏ كالإنس والجنِّ والطَّير ‏{‏ومنهم مَنْ يمشي على أربع‏}‏ كالبقر والجمال وغيرهما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏47- 49‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ‏(‏47‏)‏ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏48‏)‏ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏ويقولون آمنا بالله‏}‏ يعني‏:‏ المنافقين ‏{‏ثمَّ يتولى‏}‏ يعرض عن قبول حكم الرَّسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏فريق منهم من بعد ذلك‏}‏ الإقرار ‏{‏وما أولئك بالمؤمنين‏}‏‏.‏

‏{‏وإذا دعوا إلى الله‏}‏ إلى كتاب الله ‏{‏ورسوله ليحكم بينهم‏}‏ نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهوديّ، كان اليهوديُّ يجرُّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجرُّه إلى كعب بن الأشرف، وهذا إذا كان الحقُّ على المنافقين أعرضوا عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان لا يقبل الرُّشا، وإن كان لهم الحقُّ على غيرهم أسرعوا إلى حكمه، وهو وقوله تعالى‏:‏

‏{‏وإن يكن لهم الحقُّ يأتوا إليه مذعنين‏}‏ مُطيعين مُنقادين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏أفي قلوبهم مرض‏}‏ فجاء بلفظ التَّوبيخ ليكون أبلغ في ذمِّهم ‏{‏أم ارتابوا‏}‏ شكُّوا ‏{‏أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله‏}‏ أي‏:‏ يظلم ‏{‏بل أولئك هم الظالمون‏}‏ لأنفسهم بكفرهم ونفاقهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 55‏]‏

‏{‏وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏53‏)‏ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏54‏)‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجنَّ‏}‏ وذلك أنَّ المنافقين حلفوا أنَّهم يخرجون إلى حيث يأمرهم الرَّسول صلى الله عليه وسلم للغزو والجهاد، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا تقسموا طاعة معروفة‏}‏ خيرٌ وأمثلُ من يمينٍ تحنثون فيها‏.‏

‏{‏قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمَّل‏}‏ من تبليغ الرِّسالة ‏{‏وعليكم ما حملتم‏}‏ من طاعته‏.‏ الآية‏.‏

‏{‏وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض‏}‏ ليورثنَّهم أرض الكفَّار من العرب والعجم ‏{‏كما استخلف الذين من قبلهم‏}‏ يعني‏:‏ بني إسرائيل ‏{‏وليمكنَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم‏}‏ حتى يتمكَّنوا منه من غير خوفٍ ‏{‏وليبدلنَّهم من بعد خوفهم‏}‏ من العدوِّ ‏{‏أمناً‏}‏ لا يخافون معه العدوَّ ‏{‏ومن كفر‏}‏ بهذه النِّعمة فعصى الله ورسوله، وسفك الدِّماء ‏{‏فأولئك هم الفاسقون‏}‏ فكان أوَّل ‏[‏مَنْ كفر‏]‏ بهذه النِّعمة بعد ما أنجز الله وعده الذين قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعادوا في الخوف، وظهر الشَّرُّ والخلاف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏58‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم‏}‏ من العبيد والإماء ‏{‏والذين لم يبلغوا الحلم منكم‏}‏ من الأحرار ‏{‏ثلاث مرَّات‏}‏ ثمَّ بيَّنهنَّ فقال‏:‏ ‏{‏من قبل صلاة الفجر‏}‏ وهو حين يخرج الإنسان من ثياب النَّوم ‏{‏وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة‏}‏ للقائلة ‏{‏ومن بعد صلاة العشاء‏}‏ الآخرة ‏{‏ثلاث عورات لكم‏}‏ يعني‏:‏ هذه الأوقات؛ لأنَّها أوقات التَّجرُّد وظهور العورة، ‏{‏ليس علكم ولا عليهم جناح‏}‏ ألا يستأذنوا بعد هذه الأوقات ‏{‏طوافون‏}‏ أَيْ‏:‏ هم طوَّافون ‏{‏عليكم‏}‏ يريد أنَّهم خدمكم، فلا بأس عليهم أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثَّلاثة بغير إذنٍ، وهذه الآية منسوخةٌ عند قومٍ، وعند قومٍ لم تُنسخ، ويجب العمل بها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 61‏]‏

‏{‏وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏59‏)‏ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏60‏)‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏61‏)‏‏}‏

‏{‏وإذا بلغ الأطفال منكم‏}‏ من أحراركم ‏{‏الحلم فليستأذنوا‏}‏ في كلِّ وقتٍ ‏{‏كما استأذن الذين من قبلهم‏}‏ يعني‏:‏ الكبار من الأحرار‏.‏

‏{‏والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً‏}‏ يعني‏:‏ العجائز اللاتي أيسن من البعولة ‏{‏فليس عليهم جناح أن يضعن ثيابهن‏}‏ جلابيبهنَّ ‏{‏غير متبرجات بزينة‏}‏ غير مُظهراتٍ زينتهنَّ، وهو أن لا تريد بوضع الجلباب أن تُري زينتها ‏{‏وأن يستعففن‏}‏ فلا يضعن الجلباب ‏{‏خيرٌ لهن‏}‏‏.‏

‏{‏ليس على الأعمى حرج‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان المسلمون يخرجون للغزو، ويدفعون مفاتيح بيوتهنَّ إلى الزَّمنى الذين لا يخرجون، ويقولون لهم‏:‏ قد أحللنا لكم أن تأكلوا ممَّا فيها، فكانوا يتوقَّون ذلك حتى نزلت هذه الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا على أنفسكم‏}‏ أراد‏:‏ ولا عليكم أنفسكم ‏{‏أن تأكلوا من بيوتكم‏}‏ أَيْ‏:‏ بيوت أولادكم، فجعل بيوت أولادهم بيوتهم؛ لأنَّ ولد الرَّجل من كسبه، ومالَه كمالِه، وقوله‏:‏ ‏{‏أو ما ملكتم مفاتحه‏}‏ يريد‏:‏ الزَّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة ‏{‏ليس عليكم جناح أن تأكلوا‏}‏ من منازل هؤلاءٍ إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ولم يعلموا من غير أن يحملوا، وهذه رخصةٌ من الله تعالى لطفاً بعباده، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق وضيق النَّظر، وقوله‏:‏ ‏{‏أو صديقكم‏}‏ يجوز للرَّجل أن يدخل بيت صديقه فيتحرَّم بطعامه من غير استئذانٍ بهذه الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً‏}‏ يقول‏:‏ لا جناح عليكم إن اجتمعتم في الأكل، أو أكلتم فرادى، وإن اختلفتم فكان فيكم الزَّهيد والرغيب، والعليل والصَّحيح، وذلك أنَّ المسلمين تركوا مؤاكلة المرضى والزَّمنى بعد نزول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ فقالوا‏:‏ إنَّهم لا يستوفون من الأكل، فلا تحلُّ لنا مؤاكلتهم، فنزلت الرُّخصة في هذه الآية‏.‏ ‏{‏فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم‏}‏ فليسلِّم بعضكم على بعض‏.‏ وقيل‏:‏ إذا دخلتم بيوتاً خالية فليقل الدَّاخل‏:‏ السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 64‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏62‏)‏ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏63‏)‏ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏وإذا كانوا معه على أمر جامع‏}‏ يجمعهم في حربٍ حضرت، أو صلاةٍ في جمعةٍ، أو تشاورٍ في أمرٍ ‏{‏لم يذهبوا‏}‏ لم يتفرقوا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ‏{‏حتى يستأذنوه‏}‏ نزلت في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون بغير امر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله‏:‏

‏{‏لا تجعلوا دعاءَ الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تقولوا إذا دعوتموه‏:‏ يا محمد، كما يقول أحدكم لصاحبه، ولكن قولوا‏:‏ يا رسول الله، يا نبيَّ الله ‏{‏قد يعلم الله الذين يتسللون‏}‏ يخرجون في خُفيةٍ من بين النَّاس ‏{‏لواذاً‏}‏ يستتر بغيره فيخرج مُختفياً ‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره‏}‏ أَيْ‏:‏ يخالفون أمر الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وينصرفون بغير إذنه ‏{‏أن تصيبهم فتنة‏}‏ بليَّةٌ تُظهر نفاقهم ‏{‏أو يصيبهم عذاب أليم‏}‏ عاجلٌ في الدُّنيا‏.‏

‏{‏ألا إنَّ لله ما في السموات والأرض‏}‏ عبيداً وملكاً وخلقاً‏.‏

سورة الفرقان

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ‏(‏1‏)‏ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ‏(‏2‏)‏ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ‏(‏3‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ‏(‏4‏)‏ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏5‏)‏ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏6‏)‏ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ‏(‏7‏)‏ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ‏(‏8‏)‏ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ‏(‏9‏)‏ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏تبارك‏}‏ ثبت ودام ‏{‏الذي نزل الفرقان‏}‏ القرآن الذي فرق بين الحقِّ والباطل ‏{‏على عبده‏}‏ محمَّد صلى الله عليه وسلم ‏{‏ليكون للعالمين‏}‏ الجنِّ والإِنس ‏{‏نذيراً‏}‏ مخوِّفاً من العذاب‏.‏

‏{‏وخلق كلَّ شيء‏}‏ ممَّا يُطلق في صفة المخلوق ‏{‏فقدَّره تقديراً‏}‏ جعله على مقدارٍ‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏نشوراً‏}‏ أَيْ‏:‏ حياةً بعد الموت‏.‏

‏{‏وقال الذين كفروا إن هذا‏}‏ ما هذا القرآن ‏{‏إلاَّ إفك‏}‏ كذبٌ ‏{‏افتراه‏}‏ اختلقه ‏{‏وأعانه عليه قوم آخرون‏}‏ يعنون‏:‏ اليهود ‏{‏فقد جاؤوا‏}‏ بهذا القول ‏{‏ظلماً وزوراً‏}‏ كذباً‏.‏

‏{‏وقالوا أساطير الأولين‏}‏ أَيْ‏:‏ هو ما سطره الأوَّلون ‏{‏اكتتبها‏}‏ كتبها ‏{‏فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً‏}‏ يعنون أنَّه يختلف إلى مَنْ يعلَّمه بالغداة والعشيِّ‏.‏

‏{‏قل‏}‏ يا محمد لهم‏:‏ ‏{‏أنزله‏}‏ أنزل القرآن ‏{‏الذي يعلم السر في السموات والأرض‏}‏ يعلم بواطن الأمور، فقد أنزله على ما يقتضيه علمه‏.‏

‏{‏وقالوا ما لهذا الرسول‏}‏ يعنون محمداً عليه السَّلام ‏{‏يأكل الطعام‏}‏ أنكروا أن يكون الرَّسول بصفة البشر ‏{‏ويمشي في الأسواق‏}‏ طلباً للمعاش، يعنون أنَّه ليس بمَلِكٍ ولا مَلَكٍ ‏{‏لولا‏}‏ هلاَّ ‏{‏أنزل إليه ملك‏}‏ يُصدِّقه ‏{‏فيكون معه نذيراً‏}‏ داعياً إلى الله يشاركه في النُّبوَّة‏.‏

‏{‏أو يلقى إليه كنز‏}‏ يستغني به عن طلب المعاش ‏{‏وقال الظالمون‏}‏ المشركون‏:‏ ‏{‏إن تتبعون‏}‏ ما تتبعون ‏{‏إلاَّ رجلاً مسحوراً‏}‏ مخدوعاً‏.‏

‏{‏انظر‏}‏ يا محمَّد ‏{‏كيف ضربوا لك الأمثال‏}‏ إذ مثَّلوك بالمسحور والفقير الذي لا يصلح أن يكون رسولاً، والناقص عن القيام بالأمور إذ طلبوا أن يكون معك مَلَك ‏{‏فضلوا‏}‏ بهذا القول عن الدَّين والإِيمان ‏{‏فلا يستطيعون سبيلاً‏}‏ إلى الهدى ومخرجاً من ضلالتهم‏.‏

‏{‏تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك‏}‏ الذي قالوه من إلقاء الكنز، وجعل الجنَّة، ثمَّ بيَّن ذلك فقال‏:‏ ‏{‏جنات تجري من تحتها الأنهار‏}‏ يعني‏:‏ في الدُّنيا؛ لأنَّه قد شاء أن يعطيه ذلك في الآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 20‏]‏

‏{‏إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ‏(‏13‏)‏ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ‏(‏14‏)‏ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا ‏(‏15‏)‏ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا ‏(‏16‏)‏ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ‏(‏17‏)‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ‏(‏18‏)‏ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ‏(‏19‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏سمعوا لها تغيظاً‏}‏ أَيْ‏:‏ صوتاً بغيظٍ، وهو التَّغضُّب ‏{‏وزفيراً‏}‏ صوتاً شديداً‏.‏

‏{‏وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً‏}‏ وذلك أنَّهم يُدفعون في النَّار كما يُدفع الوتد في الحائط ‏{‏مقرَّنين‏}‏ مقرونين مع الشَّياطين ‏{‏دعوا هنالك ثبوراً‏}‏ ويلاً وهلاكاً، فيقال لهم‏:‏

‏{‏لا تدعوا اليوم ثُبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً‏}‏‏.‏

‏{‏قل أذلك‏}‏ الذي ذكرتُ من موضع أهل النَّار ومصيرهم ‏{‏خيرٌ أم جنة الخلد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وعداً مسؤولاً‏}‏ لأنَّ الملائكة سألت ذلك لهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ربَّنا وأَدْخِلْهم جنَّاتِ عدنٍ التي وَعَدْتَهُم ومَنْ صلَحَ من آبائِهم وأزوَاجِهم وذُرِّيَّاتهم‏}‏ ‏{‏ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله‏}‏ الأصنام، والملائكة، والمسيح، وعزيراً ‏{‏فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء‏}‏ هذا توبيخ للكفَّار، كقوله لعيسى عليه السَّلام‏:‏ ‏{‏أَأنتَ قُلْتَ للنَّاس اتَّخذوني وأُمِّي إلهين من دُونِ الله‏}‏ ‏{‏قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتَّخذ من دونك أولياء‏}‏ أن نوالي أعداءك، وفي هذا براءةُ معبوديهم منهم ‏{‏ولكن متعتهم وآباءهم‏}‏ في الدُّنيا بالصَّحة والنِّعمة ‏{‏حتى نسوا الذكر‏}‏ تركوا ما وُعظوا به ‏{‏وكانوا قوماً بوراً‏}‏ هلكى بكفرهم‏.‏

‏{‏فقد كذبوكم بما تقولون‏}‏ بقولكم‏:‏ إنَّهم كانوا آلهة ‏{‏فما تستطيعون‏}‏ يعني‏:‏ الآلهة ‏{‏صرفاً‏}‏ للعذاب عنكم ‏{‏ولا نصراً‏}‏ لكم ‏{‏ومن يظلم‏}‏ أَيْ‏:‏ يشرك ‏{‏منكم نذقه عذاباً كبيراً‏}‏‏.‏

‏{‏وما أرسلنا قبلك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ هذا جوابٌ لقولهم‏:‏ ‏{‏ما لهذا الرسول‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أخبر الله سبحانه أنَّ كلَّ مَنْ خلا من الرُّسل كان بهذه الصِّفة ‏{‏وجعلنا بعضكم لبعض فتنة‏}‏ الصَّحيح للمريض، والغنيّ للفقير فيقول الفقير‏:‏ لو شاء الله لأغناني كما أغنى فلاناً، ويقول المريض‏:‏ لو شاء الله لعافاني كما عافى فلاناً، وكذلك كلُّ النَّاس مبتلى بعضهم ببعض، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أتصبرون‏}‏ على البلاء‏؟‏ فقد عرفتم ما وُعد الصَّابرون ‏{‏وكان ربك بصيراً‏}‏ بمَنْ يصبر، وبمَنْ يجزع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 26‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ‏(‏21‏)‏ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ‏(‏22‏)‏ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ‏(‏23‏)‏ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ‏(‏24‏)‏ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ‏(‏25‏)‏ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏وقال الذين لا يرجون لقاءنا‏}‏ لا يخافون البعث‏:‏ ‏{‏لولا‏}‏ هلاَّ ‏{‏أنزل علينا الملائكة‏}‏ فتخبرنا أنَّ محمداً صادقٌ ‏{‏أو نرى ربنا‏}‏ فيخبرنا بذلك ‏{‏لقد استكبروا في أنفسهم‏}‏ حين طلبوا من الآيات ما لم يطلبه أُمَّة ‏{‏وعتوا عتوّاً كبيراً‏}‏ وغلوا في كفرهم أشدَّ الغلوِّ‏.‏

‏{‏يوم يرون الملائكة‏}‏ يعني‏:‏ إنَّ ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة، وإنَّ الله سبحانه حرمهم البشرى في ذلك اليوم، وتقول لهم الملائكة‏:‏ ‏{‏حجراً محجوراً‏}‏ أَيْ‏:‏ حراماً محرَّماً عليهم البشرى‏.‏

‏{‏وقدمنا‏}‏ وقصدنا ‏{‏إلى ما عملوا من عمل‏}‏ ممَّا كانوا يقصدون به التقرُّب إلى الله سبحانه ‏{‏فجعلناه هباءً منثوراً‏}‏ باطلاً لا ثواب له؛ لأنَّهم عملوه للشَّيطان، والهباء‏:‏ دقاق التُّراب، والمنثور‏:‏ المتفرِّق‏.‏

‏{‏أصحاب الجنة يومئذ خيرٌ مستقراً‏}‏ موضع قرار ‏{‏وأحسن مقيلاً‏}‏ موضع قيلولة‏.‏

‏{‏ويوم تشقق السماء بالغمام‏}‏ عن الغمام، وهو السَّحاب الأبيض الرَّقيق ‏{‏ونزل الملائكة تنزيلاً‏}‏ لإكرام المؤمنين‏.‏

‏{‏الملك يومئذ الحق‏}‏ أَيْ‏:‏ الملك الذي هو الملك حقَّاً ملك الرَّحمن يومئذ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 32‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ‏(‏27‏)‏ يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ‏(‏28‏)‏ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ‏(‏29‏)‏ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ‏(‏30‏)‏ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ‏(‏31‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏ويوم يعض الظالم‏}‏ الكافر، يعني‏:‏ عُقبة بن أبي مُعَيط كان قد آمن ثمَّ ارتدَّ لرضى أُبيّ بن خلف ‏{‏على يديه‏}‏ ندماً وتحسُّراً ‏{‏يقول‏:‏ يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً‏}‏ طريقاً إلى الجنة بالإِسلام‏.‏

‏{‏يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً‏}‏ يعني‏:‏ أُبيَّاً ‏{‏خليلاً‏}‏‏.‏

‏{‏لقد أضلني عن الذكر‏}‏ القرآن ‏{‏بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً‏}‏ عند البلاء‏.‏ يعني‏:‏ إنًّ قبوله قول أُبيِّ بن خلف في الكفر كان من عمل الشيطان‏.‏

‏{‏وقال الرسول‏}‏ في ذلك اليوم‏:‏ يا ‏{‏ربِّ إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً‏}‏ متروكاً أعرضوا عنه‏.‏

‏{‏وكذلك‏}‏ وكما جعلنا لك أعداءً من المشركين ‏{‏جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوَّاً من المجرمين وكفى بربك هادياً‏}‏ يهديك وينصرك، فلا تُبالِ بِمَنْ يعاديك‏.‏

‏{‏وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة‏}‏ أَيْ‏:‏ لم نزل عليه متفرِّقاً‏؟‏ وهلاَّ كان دفعةً واحدةُ كالتَّوراة والإِنجيل‏؟‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ فرَّقنا تنزيله ‏{‏لنثبت به فؤادك‏}‏ لِنُقوِّيَ به قلبك، وذلك أنَّه كلَّما نزل عليه وحيٌ جديدٌ ازداد هو قوَّة قلبٍ ‏{‏ورتلناه ترتيلاً‏}‏ بيَّناه تبييناً في تثبُّتٍ ومهلةٍ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 39‏]‏

‏{‏وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ‏(‏33‏)‏ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏34‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ‏(‏35‏)‏ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ‏(‏36‏)‏ وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏37‏)‏ وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ‏(‏38‏)‏ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ‏(‏39‏)‏‏}‏

‏{‏ولا يأتونك‏}‏ يعني‏:‏ المشركين ‏{‏بمثل‏}‏ يضربونه في إبطال أمرك ‏{‏إلاَّ جئناك بالحق‏}‏ بما يردُّ ما جاؤوا به المثل ‏{‏وأحسن تفسيراً‏}‏ بياناً وتفصيلاً ممَّا ذكروا‏.‏

‏{‏الذين‏}‏ أَيْ‏:‏ هم الذين ‏{‏يحشرون على وجوههم‏}‏ يُمشيهم الله عليها، فهم يُساقون على وجوههم ‏{‏إلى جهنم أولئك شرٌّ مكاناً وأضلُّ سبيلاً‏}‏ من كلِّ أحدٍ‏.‏

‏{‏ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً‏}‏ أَيْ‏:‏ مُعيناً وملجأ‏.‏

‏{‏فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذَّبوا بآياتنا‏}‏ وهم القبط، فكذَّبوهما ‏{‏فدمَّرناهم تدميراً‏}‏ أهلكناهم إهلاكاً‏.‏

‏{‏وقوم نوحٍ لمَّا كذَّبوا الرسل‏}‏ مَنْ كذَّب نبيَّاً فقد كذَّب الرُّسل كلَّهم؛ لأنَّهم لا يفرِّقون بينهم في الإيمان بهم‏.‏ ‏{‏أغرقناهم وجعلناهم للناس آية‏}‏ عبرة ‏{‏وأعتدنا للظالمين‏}‏ في الآخرة ‏{‏عذاباً اليماً‏}‏ سوى ما ينزل بهم من عاجل العذاب‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وأصحاب الرَّسِّ‏}‏ كانوا أهل بئرٍ قعودٍ عليها، وأصحاب مواشٍ يعبدون الأصنام، فأُهلكوا بتكذيب نبيِّهم ‏{‏وقروناً‏}‏ وجماعاتٍ ‏{‏بين ذلك‏}‏ الذين ذكرناهم ‏{‏كثيراً‏}‏‏.‏

‏{‏وكلاً ضربنا له الأمثال‏}‏ بيَّنا لهم الأشباه في إقامة الحجَّة عليهم ‏{‏وكلاًّ تبرنا تتبيراً‏}‏ أهلكنا إهلاكاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 52‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ‏(‏40‏)‏ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ‏(‏41‏)‏ إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏42‏)‏ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ‏(‏43‏)‏ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ‏(‏44‏)‏ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ‏(‏45‏)‏ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ‏(‏46‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ‏(‏47‏)‏ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ‏(‏48‏)‏ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ‏(‏49‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ‏(‏50‏)‏ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ‏(‏51‏)‏ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد أتوا‏}‏ يعني‏:‏ مشركي مكَّة ‏{‏على القرية التي أمطرت مطر السوء‏}‏ يعني‏:‏ الحجارة، وهي قرية قوم لوطٍ ‏{‏أفلم يكونوا يرونها‏}‏ إذا مرُّوا بها مسافرين فيعتبروا ‏{‏بل كانوا لا يرجون نشوراً‏}‏ لا يخافون بعثاً‏.‏

‏{‏وإذا رأوك إن يتخذونك إلاَّ هزواً‏}‏ ما يتَّخذونك إلاَّ مهزوءاً به، ويقولون‏:‏ ‏{‏أهذا الذي بعث الله رسولاً‏}‏ إلينا‏؟‏

‏{‏إن كاد‏}‏ إنَّه كاد ‏{‏ليضلنا عن آلهتنا‏}‏ فيصدُّنا عن عبادتها ‏{‏لولا أن صبرنا عليها‏}‏ لصرفنا عنها‏.‏

‏{‏أرأيت من اتخذ إلهه هواه‏}‏ وهو أنَّهم كانوا يعبدون شيئاً حجراً، أو ما كان، فإذا رأوا حجراً أحسن طرحوا الأوَّل وعبدوا الأحسن، فهم يعبدون ما تهواه أنفسهم ‏{‏أفأنت تكون عليه وكيلاً‏}‏ حفيظاً حتى تردَّه إلى الإِيمان، أَيْ‏:‏ ليس عليك إلاَّ التبليغ‏.‏ وقيل‏:‏ إنَّ هذا ممَّا نسخته آية السَّيف‏.‏

‏{‏أم تحسب أنَّ أكثرهم يسمعون‏}‏ سماع تفهيم ‏{‏أو يعقلون‏}‏ بقلوبهم ما تقول لهم‏:‏ ‏{‏إن هم‏}‏ ما هم ‏{‏إلاَّ كالأنعام‏}‏ في جهل الآيات وما جعل لهم من الدَّليل ‏{‏بل هم أضلُّ سبيلاً‏}‏ لأنَّ النَّعم تنقاد لمن يتعهده، وهم لا يطيعون مولاهم الذي أنعم عليهم‏.‏

‏{‏ألم ترَ‏}‏ ألم تعلم ‏{‏إلى ربك كيف مدَّ الظلَّ‏}‏ وقت الإِسفار إلى وقت طلوع الشَّمس ‏{‏ولو شاء لجعله‏}‏ لجعل الظلَّ ‏{‏ساكناً‏}‏ ثابتاً دائماً ‏{‏ثمَّ جعلنا الشمس عليه دليلاً‏}‏ لأنَّ بالشَّمس يُعرف الظِّلُّ‏.‏

‏{‏ثم قبضناه‏}‏ قبضنا الظِّلَّ إلينا بارتفاع الشَّمس ‏{‏قبضاً يسيراً‏}‏ قيل‏:‏ خفيَّاً‏.‏ وقيل‏:‏ سهلاً‏.‏

‏{‏وهو الذي جعل لكم الليل لباساً‏}‏ يستركم ‏{‏والنوم سباتاً‏}‏ راحةً لأبدانكم ‏{‏وجعل النهار نشوراً‏}‏ حياة تنتشرون فيه من النَّوم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏طهوراً‏}‏ هو الطَّاهر المُطهِّر‏.‏

‏{‏لنحيي به‏}‏ بالماء الذي أنزلناه من السَّماء ‏{‏بلدة ميتاً‏}‏ بالجدوبة ‏{‏ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسيَّ كثيراً‏}‏ جمع إنسيٍّ، وهم الذين سقيناهم المطر‏.‏

‏{‏ولقد صرفناه‏}‏ أَيْ‏:‏ المطر ‏{‏بينهم‏}‏ بأنواعه وابلاً، وطشَّاً، ورُهَاماً، ورذاذاً ‏{‏ليذكروا‏}‏ ليتذكَّروا به نعمة الله تعالى ‏{‏فأبى أكثر الناس إلاَّ كفوراً‏}‏ جُحوداً حين قالوا‏:‏ سُقينا بِنَوء كذا‏.‏

‏{‏ولو شِئنا لبعثنا في كلِّ قرية نذيراً‏}‏ لنخفِّف عليك أعباء النبوَّة، ولكن لم نفعل ذلك ليعظم أجرك‏.‏

‏{‏فلا تطع الكافرين‏}‏ في هواهم ولا تداهنهم ‏{‏وجاهدهم به‏}‏ وجاهد بالقرآن ‏{‏جهاداً كبيراً‏}‏ لا يُخالطه فتورٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 55‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ‏(‏53‏)‏ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ‏(‏54‏)‏ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

‏{‏وهو الذي مرج البحرين‏}‏ خلطهما ‏{‏هذا عذب فرات‏}‏ شديد العذوبة ‏{‏وهذا ملحٌ أجاج‏}‏ شديد الملوحة ‏{‏وجعل بينهما‏}‏ بين العذب والمالح ‏{‏برزخاً‏}‏ حاجزاً من قدرته حتى لا يختلط أحدهما بالآخر ‏{‏وحجراً محجوراً‏}‏ حراماً محرَّماً أن يغلب أحدهما صاحبه‏.‏

‏{‏وهو الذي خلق من الماء‏}‏ النُّطفة ‏{‏بشراً‏}‏ آدمياً ‏{‏فجعله نسباً‏}‏ لا يحلُّ تزوُّجه ‏{‏وصهراً‏}‏ يحلُّ تزوُّجه، كابنة العمِّ والخال، وابنهما ‏{‏وكان ربك قديراً‏}‏ قادراً على ما يشاء‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وكان الكافر على ربه ظهيراً‏}‏ معيناً للشَّيطان على معصية الله سبحانه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏57‏]‏

‏{‏قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ‏(‏57‏)‏‏}‏

‏{‏قل ما أسألكم عليه‏}‏ على تبليغ الرِّسالة والوحي ‏{‏من أجر‏}‏ فيقولون‏:‏ إنَّه يطلب أموالنا ‏{‏إلاَّ من شاء‏}‏ لكن مَنْ شاء ‏{‏أن يتخذ إلى ربه سبيلاً‏}‏ بإنفاق ماله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 60‏]‏

‏{‏الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏فاسأل به خبيراً‏}‏ فاسأل أيُّها الإنسان الذي لا تعلم صفته خبيراً يخبرك بصفاته‏.‏

‏{‏وإذا قيل لهم‏}‏ لهؤلاء المشركين‏:‏ ‏{‏اسجدوا للرحمن‏}‏ وهو اسم الله سبحانه، كانوا لا يعرفونه لذلك قالوا‏:‏ ‏{‏وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا‏}‏ أنت يا محمد ‏{‏وزادهم‏}‏ قول القائل لهم‏:‏ اسجدوا للرَّحمن ‏{‏نفوراً‏}‏ عن الإِيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 63‏]‏

‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ‏(‏61‏)‏ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ‏(‏62‏)‏ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ‏(‏63‏)‏‏}‏

‏{‏تبارك الذي جعل في السماء بروجاً‏}‏ أَيْ‏:‏ منازل الكواكب السَّبعة ‏{‏وجعل فيها سراجاً‏}‏ وهو الشَّمس‏.‏

‏{‏وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْقَةً‏}‏ إذا ذهب هذا أتى هذا، فأحدهما يخلف الآخر، فمَنْ فاته عملٌ بالليل فله مُسْتَدْرَكٌ بالنَّهار، وهو قوله‏:‏ ‏{‏لمن أراد أن يذكَّر‏}‏ يذكر الله بصلاةٍ وتسبيحٍ وقراءةٍ ‏{‏أو أراد شكوراً‏}‏ شكراًَ لنعمته وطاعته‏.‏

‏{‏وعباد الرحمن‏}‏ يعني‏:‏ خواصَّ عباده ‏{‏الذين يمشون على الأرض هوناً‏}‏ بالسَّكينة والوقار ‏{‏وإذا خاطبهم الجاهلون‏}‏ بما يكرهونه ‏{‏قالوا سلاماً‏}‏ سداداً من القول يسلمون فيه من الإِثم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏65‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏غراماً‏}‏ أيْ‏:‏ شرَّاً لازماً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 68‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ‏(‏67‏)‏ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ‏(‏68‏)‏‏}‏

‏{‏والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا‏}‏ لم يكن إنفاقهم في معصية الله تعالى ‏{‏ولم يقتروا‏}‏ لم يمنعوا حقَّ الله سبحانه ‏{‏وكان‏}‏ إنفاقهم بين الإِسراف والإِقتار ‏{‏قوماً‏}‏ قائماً، قوله‏:‏

‏{‏يلق أثاماً‏}‏ أَيْ‏:‏ عقوبةً‏.‏ وقيل‏:‏ جزاء الآثام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 74‏]‏

‏{‏إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏70‏)‏ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ‏(‏71‏)‏ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ‏(‏72‏)‏ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ‏(‏73‏)‏ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏يبدّل الله سيئاتهم حسنات‏}‏ يُبدِّلهم الله بقبائح أعمالهم في الشِّرك محاسن الأعمال في الإسلام، بالشِّرك إيماناً، وبالزِّنا عفَّة وإحصاناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين‏.‏

‏{‏ومن تاب‏}‏ أَيْ‏:‏ عزم على التَّوبة ‏{‏فإنه يتوب إلى الله متاباً‏}‏ فينبغي أن يبادر إليها ويتوجَّه بها إلى الله‏.‏

‏{‏والذين لا يشهدون الزور‏}‏ لا يشهدون بالكذب ‏{‏وإذا مرُّوا باللغو مروا كراماً‏}‏ سمعوا من الكفار الشَّتم والأذى صفحوا وأعرضوا، وهو منسوخ بالقتال على هذا التَّفسير‏.‏

‏{‏والذين إذا ذكروا‏}‏ وُعظوا ‏{‏بآيات ربهم‏}‏ بالقرآن ‏{‏لم يخروا عليها صماً وعمياناً‏}‏ لم يتغافلوا عنها كأنَّهم صمٌّ لم يسمعوها، وعميٌّ لم يروها‏.‏

‏{‏والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين‏}‏ بأَنْ نراهم مطيعين لك صالحين ‏{‏واجعلنا للمتقين إماماً‏}‏ أَيْ‏:‏ اجعلنا ممَّن يهتدي به المُتَّقون، ويهتدي بالمتَّقين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏75‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ‏(‏75‏)‏‏}‏

‏{‏أولئك يجزون‏}‏ يثابون ‏{‏الغرفة‏}‏ الدرجة في الجنة ‏{‏بما صبروا‏}‏ على طاعة الله سبحانه ‏{‏ويلقون‏}‏ ويُستقبلون ‏{‏فيها‏}‏ في الغرقة بالتَّحيَّة والسَّلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏

‏{‏قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ‏(‏77‏)‏‏}‏

‏{‏قل ما يعبأ بكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ما يفعل ويصنع، وأيُّ وزنٍ لكم عنده ‏{‏لولا دعاؤكم‏}‏ توحيدكم وعبادتكم إياه ‏{‏فقد كذبتم‏}‏ يا أهل مكَّة، فخرجتم عن أن يكون لكم عنده مقدار ‏{‏فسوف يكون‏}‏ العذاب لازماً لكم‏.‏